التوطين في ضوء «رؤية 2030»

عبلة مرشد

توفر لنا الإحصاءات الوطنية معلومات متوالية -كل ثلاثة أشهر- عن واقع سوق العمل الوطني، بما يتضمنه السوق من موارد بشرية وما يتعلق بها من خصائص مهم، تُعد مؤشرا قويا لما يعانيه سوق العمل من خلل كبير في هيكله البشري والبنيوي، وبما لا يخدم رؤيتنا الاستراتيجية وتطلعاتنا الوطنية فيما يتعلق بالتوطين، ومدى تمكين المواطن من وظائف تضيف قيمة اقتصادية واجتماعية إلى كوادرنا البشرية واقتصادنا الوطني.

إذ تشير أحدث الإحصاءات في الربع الرابع من العام 2019، إلى أن إجمالي عدد المشتغلين في سوق العمل الوطني بلغ 13.390.975 مشتغلا، وإن المواطن لا يشارك فيه سوى بـ3.170.272 مشتغلا، بينما يستحوذ غير المواطن على 10.220.703 وظائف في سوق العمل، منها 3.690.719 عمالة منزلية.

ومع تضخم القطاع الحكومي وبعد عقود من استقطابه لمعظم الموارد البشرية المواطنة، أصبح التوجه نحو التوظيف في القطاع الخاص هو المستهدف باعتباره الكيان الأهم، الذي من خلاله يمكن المساهمة بقاعدة إنتاجية، لدعم الدخل الوطني برافد اقتصادي متنوع في مكوناته ومجالاته، وليسند النفط كممول أساس لميزانيتنا الوطنية، وعليه احتل القطاع الخاص مكانا هاما في استراتيجيتنا ورؤيتنا، في ضرورة استقطابه لمخرجات التعليم بالتدريب والتوظيف، لتكوين قاعدة بشرية يستند عليها اقتصادنا الوطني، علاوة على ما نحتاجه من النخبة من الخبرات الخارجية، لتُسهم في تدريب وتأهيل ما يتطلبه السوق من كفاءات وطنية متميزة.

وبملاحظة نسبة مشاركة المواطنين في القطاع الخاص، بعد عقود من التوسع في التعليم والتدريب بمختلف مستوياته، نجد أن المواطن لا يشارك فيه سوى بنسب خجولة لا تتناسب مع الجهود المبذولة في تعليمه وتأهيله، إذ لا تتعدى مساهمته نسبة 23.15 في المئة، في حين يستحوذ غير المواطن على 76.84 في المئة من جملة العاملين في القطاع الخاص، من غير احتساب العمالة المنزلية.

وبالمتابعة لتوزيع المشتغلين في القطاعات المهنية المختلفة، نجد هناك انخفاضا كبيرا لمشاركة المواطن في القطاعات المهمة التي تستهدف توطين كفاءات، لأهميتها في تنويع القاعدة الاقتصادية الوطنية، بينما ترتفع نسبة مشاركته في القطاعات الإدارية التي لا تضيف إلى إنتاجه ومساهمته قيمة مضافة، إذ يساهم المواطن في مجال مهن العمليات الصناعية والكيميائية والغذائية، بنسبة 19.84 في المئة فقط، ونسبة 10.62 في المئة في المهن الهندسية الأساسية المساعدة، ونسبة 9.37 في المئة في مهن الخدمات، بينما ترتفع نسبة المواطنين في المهن الكتابية إلى 88.92 في المئة، ونسبة 53.01 في المئة في مهن البيع، ونسبة 72.98 في المئة مديرون.

أما توزيع المشتغلين في الأنشطة الاقتصادية، فنجد أن الصناعات التحويلية التي تعتبر القاعدة التي يرتكز عليها التنوع الاقتصادي المستهدف، فإنها لا تساهم سوى بـ9.77 في المئة من جملة المشتغلين في جميع الأنشطة الاقتصادية، ولا يشارك السعودي فيها سوى بنسبة 23.7 في المئة، بينما يستحوذ غير المواطن على 76.24 في المئة من المشتغلين.

وإذ تمثل الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية، البنية التحتية لسوق العمل، فإنها هي الأخرى ينخفض فيها في عدد المشتغلين إلى 1.66 في المئة من جملتهم في مختلف الأنشطة الاقتصادية، ولا يمثل السعوديون منها سوى 27.79 في المئة من جملة المشتغلين، بينما يستأثر غير المواطن بالنسبة المتبقية.

وحيث إن التجارة والسلع الاستهلاكية والبناء وما يتعلق بهما من متطلبات تابعة -الورش والصيانة- تمثل السمة المميزة للنشاط الاقتصادي السائد في سوق العمل الوطني، نجد أن تجارة الجملة والتجزئة، وما يتبعها، تستحوذ على 23 في المئة من المشتغلين في السوق، وهي بذلك تحتل المرتبة الثانية بعد التشييد والبناء الذي يستحوذ وحده على 26.69 في المئة، من جملة المشتغلين في السوق، وبذلك يسيطر المشتغلون في هذين النشاطين على نحو 50 في المئة من جملة المشتغلين في الأنشطة الاقتصادية جميعها، ولا يمثل السعوديون في هذين النشاطين سوى 22 في المئة من تجارة الجملة والتجزئة، و12.7 في المئة من التشييد والبناء.

لا شك أن بلورة «رؤية 2030» ومستهدفاتها المأمولة في جميع المسارات التنموية، تحتاج لمراجعة سياسات جميع القطاعات ذات الصلة بسوق العمل، سواء ما يتعلق منها بالأنظمة والتشريعات المنظمة للسوق وموارده البشرية، أو ما يتصل بالقطاعات المختلفة -الصناعة والتجارة والاتصالات- المعنية بما يجري في السوق من اختلالات وتحديات، تحد من مساهمة المواطن في الأنشطة الاقتصادية المستهدفة تنمويا واقتصاديا.

 

المصدر: صحيفة آراء سعودية

التعليقات (0)
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA