خلف كواليس حالات العجز في حرب اليمن والتراجع عن تحرير الحديدة

العوامل المؤثرة في قرارات قيادة التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن

مقالات
Share
قوات التحالف العربي

تختلف الحروب في أيامنا هذه عن الحروب التقليدية اختلافا جوهريا. لم يعد يقتصر اللاعبون القادرون على التنافس، على البلدان والحكومات الرسمية. يتنامى بسرعة اللاعبون غير الرسميون بالقدرات والطاقات غير المتكافئة المتصفة بانعدام إمكانية التنبؤ بها. ولا نظير لمنطقة الشرق الأوسط فيما يتصل هذا المجال وأعداد وحجم اللاعبين غير الرسميين ذات القدرات العسكرية. يجب أن لا يقتصر التنبؤ بالاشتباك مع هذه القوى غير الرسمية، كما كان الحال عليه في الماضي، على مجرد تقييم القوات الصديقة وقدرات الطرف الآخر؛ وذلك لأن في هذا النوع من الاشتباك، يطلق للطرف الآخر، على الرغم من قدراته المتدنية، العنان في قدرته على توجيه ضربات موجعة لا سبيل للتنبؤ بها، لاتسامه بسمة غير رسمي وغير ملتزم دوليا.

 

 

مواجهةُ المملكة والتحالف العربي المتمردين في اليمن أيضا يجب أن يتم تحليلها في هذا الصدد. الحرب مع الحوثيين بسيطة مستحيلة بشكل أو بآخر. تستقي هذه الحرب سمة البساطة من ضعف قدرات الانقلابيين العسكرية، وهو ما أوهم حكامنا وقادتنا العسكريين بأن يتصوروا في 25 مارس 2015 أن بمقدورهم هزيمة المتمردين خلال أسبوعين.

 

أما اتصاف المواجهة بالبساطة فهي من منطلق أن قدرات الانقلابيين غير متكافئة ولا يمكن التنبؤ بها، الأمر الذي يثير القلق والخشية من مبادرات المليشيات المضادة وغير المعتادة.

 

 

أعلن الناطق باسم التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن أحمد العسيري في 31 مارس 2017 وبعد مضي سنتين من الحرب أن الهدف التالي هو تحرير مدينة وميناء الحديدة، وأن رجوعهما للشرعية ليس سوى مسألة وقت.

شدد العسيري على أن العمليات لتحرير مدينة وميناء الحديدة ستنطلق، موضحا أن الحديدة أهم مصدر لتمويل الانقلابيين ووصول السلاح لهم من جانب إيران، وأن آلية تفتيش الشحنات تعاني من ضعف. بعد هذا، وفي 2 من أبريل، انطلقت هجمات محدودة على جزيرة كمران ومدينة وميناء الحديدة، حيث زعمت بعض وسائل الإعلام أن عمليات تحرير المدينة قد بدأت بالفعل، وحتى جرى الحديث عن التنسيق مع مصر وجيبوتي للتحرير؛ لكن المستغرب أن العسيري وبعد مضي 14 يوما من تصريحاته السابقة فقط، صرح على هامش مؤتمر عقد في باريس حول اليمن بالقول: "ليس لدى التحالف العربي أي نية للهجوم على الحديدة"، فيما كان قد صرح قبل أيضا أن بريطانيا وأمريكا والأمم المتحدة تعارض الهجوم على الحديدة واسترجاعها من قبضة الحوثيين. نستطرق فيما يلي إلى العوامل المؤثرة في هذا التراجع ونستفهم عن السيناريوهات المحتملة:

 

  1. عظم خطر المنطقة وموقعهاالاستراتيجي وانخراط القوات الدولية: يحوز باب المندب على أهمية قصوى في النقل البحري. كان الانقلابيون الحوثيون قبل قد هاجموا عدة سفن، الأمر الذي أدى إلى اعتبار القوى العالمية تهديدهم المتمثل في زعزعة أمن المضيق والمياه أمرا مهما وجديا؛ فقد حاولت هذه القوى منع حدوث صدام في هذه المنطقة يثير الحوثيين. كما وأن فيما يتصل بالجانب الإنساني أيضا، الهجوم على الحديدة يعني تضرر 18.8 مليون يمني أي ما يعادل 60% من مجمل عدد سكان هذا البلد، ولا شك أن المجاميع الدولية لا تسمح بحدوث هذا الأمر وتضرر الكثير من المدنيين تحقيقا لغاية القضاء على الحوثيين.
  2. قوة الحوثيين غير المتكافئة: امتلاك الحوثيين هذا النوع من القوة وإمكانية إلحاقهم أضرارا جسيمة وغير قابلة للتنبؤ، يفضيان إلى تحول النزاع والحرب في الحديدة إلى لعبة خطيرة. كون الانقلابيين قواتٍ غيرَ رسمية، يفسح لهم المجال الواسع لينفذوا كذلك بعض الأفعال غير الاعتيادية ضد المملكة والآخرين أيضا.
  3. تنافس أعضاء التحالف للحصول على اليد العليا: يظهر تغير سلوك وتصريحات المتحالفين كما بعض الأنباء الواردة أن التحالف يعاني من هشاشة من الداخل، ربما تكون بسبب طول أمد الحرب وانعدام الجدوى منها، أو ربما بسبب الأطماع ومطالبة المتحالفين بالمزيد من حصتهم في كعكة اليمن. لكن على أي حال، ينتابنا الشعور بأن هذه الترنحات والتقلبات تحصر وتحد اتخاذ القرارات الناجعة والقوية.

 

على كل حال، سواء أكان السبب داخليا أو خارجيا أو كلاهما، المهم أن التحالف تراجع عن قراره إطلاقَ وتنفيذَ عملية تحرير مدينة وميناء الحديدة. هذا التراجع ذو الأهمية إلى جانب مضي ما يزيد على عامين من بدء الهجوم، أوجدا تصورا سلبيا لدى الشعب تجاه كفاءة المملكة ونجاعة هذا التحالف واعتباره ضعيفا. خيبة أمل المواطنين حيال نجاح ونجاعة عاصفة الحزم وإعادة الأمل بعد عظيم ما أنفق معنويا وماديا، ستلحق بالمملكة كبرى الضربات.    

 

صوت الجزيرة

شارك برأيك
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية .