لا تتحقق تنمية المملكة بالتغيير المستمر للأولويات

مقالات
Share

يستوجب طرح الأهداف العليا وادعاء إحداث التغييرات الاستراتيجية التخطيطَ الدقيق والمسعى المستمر والمضي في المسار الرئيس وتجنب الصراعات الهامشية التي لا جدوى منها. إذن فإن تحديد الأولويات التنفيذية ومن ثم البدار على أساسها من ضرورات النجاح في هذه المجالات العامة، وإلا فلن يقتصر الأمر بعدم تحقق الأهداف فحسب، بل سيضيّع الكثير من الطاقات والقدرات الكامنة مؤديا ذلك إلى الإحباط وخيبة الأمل.

 

 

و إذاما طرحت هذه الأهداف العليا على مستوى مجتمع ما، لتسوق عبر تطبيقها بالإعلان والوعود الواسعة والمستمرة للمواطنين بأن نجاحها من البديهيات،  لكن من ثم كان مسار العمل على نحو يؤدي إلى تقويض إمكانية تحقيق الأهداف، فسيلحق فشل البرامج لا سمح الله هذا بالمواطنين ضربة نفسية شديدة.

 

نريد الآن بعد هذه التوطئة التطرق إلى أعم برامج المملكة وأكثرها استراتيجية أي رؤية 2030 وعد ملاحظات حول الوضع الراهن والإصلاحات المنشودة في الرؤية والظروف الضرورية لتحقيقها:

 

  1. تظهر التجربة التاريخية للتخطيط للتنمية في مملكتنا أن كثيرا من أهداف رؤية 2030 كالتقليل من الاعتماد على النفط وتنويع موارد دخل الحكومة كانت مطروحة منذ عام 1970، لكنها لم تتحقق أبدا وحتى أن نسبة الاعتماد على النفط ربت على 90% من ميزانية عام 2016، وما زالت عيون الجميع على عين النفط الآيلة إلى النضب والنفاد. والسبب واضح جلي؛ تسبب سوء الإدارة وغلبة القضايا الثانوية الهامشية على القضايا الرئيسية في جميع الحقب الزمنية في انعدام إمكانية تحقق الأهداف الرئيسية والاستراتيجية.
  2. يبدو أن الأولويات ونوع مطالبات الشعب بعيدة بعض الشيء عما تتابعها الحكومة. نظرة سريعة على الوسوم المتداولة في أوساط رواد التواصل الاجتماعي في المملكة تظهر بجلاء أن القضايا الاقتصادية والمالية كالرواتب والعلاوات والبدلات والسكن وتوفير الوظائف وما شابه ذلك تقع في أعلى سلم أولويات المواطنين (مثلا #اعيدو_النظر_في_مواعيد_الرواتب، #مهندسون_معطلون، #مقاطعة_عمالة_الشارع، #العلاوة_السنوية_ياولي_العهد، تظلم_الموظفين_الكهرباء)، لكن واقع الحال مختلف إذ من الواضح أن القضايا السياسية والعسكرية ومنها مواجهة المنافسين الإقليميين بأي طريق كان هي التي تقع على رأس برامج وأهداف الحكومة. نشهد كل يوم فتح جبهة جديدة منها على سبيل المثال لا الحصر بدءا من الهجوم على الحوثيين الانقلابيين في اليمن ودعم المعارضة السورية وصولا إلى تشكيل التحالف العسكري الرمزي بمساهمة بلدان ضعيفة ليس لها أصلا أي قدرات عسكرية، كما تقديم المساعدات المالية الواسعة والشاملة لبعض البلدان الصغيرة وما نشهده مؤخرا من هجمة إعلامية واقتصادية شديدة ضد قطر وصفقات السلاح باهظة الثمن بالمليارات مع أمريكا وروسيا. جميع هذه المبادرات تحمّل المملكة نفقات باهظة، والتي أدت في ظل انخفاض أسعار النفط إلى انخفاض حاد في رؤوس أموالنا. والملاحظ أن جميع حالات اصطناع النفقات للمملكة هذه تجري في ظروف يعاني منها أبناء الوطن من الفقر والبطالة وكثير من المشاكل الاجتماعية، وأنه وفقا لرؤية 2030 قد تم تحديد تغييرات وإصلاحات اقتصادية في سبيل مصالح المواطنين كبرنامج رئيسي للمملكة.
  3. وفق رؤية 2030، هناك ركنان أساسيان لتحقيق الإصلاحات الاقتصادية في المملكة أولهما تحولها لممر للتبادلات التجارية ونقل وعبور البضائع بين ثلاث قارات، وثانيهما استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية المتعددة. من البديهي أن الأمن والاستقرار الإقليميين مقدمة رئيسة لتحقيق هذين الركنين الرئيسيين، وإذاما انهار استقرار منطقتنا مع جيراننا فإن المستثمرين سيسارعون إلى الخروج من المنطقة، ولن يستمر بذلك أي نقل وعبور وتبادل أيضا. برامج ومبادرات الحكومة الأخيرة والإقليمية منها في مواجهة قطر وحتى ما كان قبل ذلك من بدء الحرب على الحوثيين (والتي بالمناسبة لم تفض إلى أي نتيجة حتى الآن)، إضافة إلى أنها كانت اصطناع نفقات للمملكة لتنفق في القضايا الهامشية، لا شك انها ألحقت ضررا فادحا بأركان رؤية 2030 الاقتصادية وستجعل تحقيق الأهداف تواجه عديد المشاكل.

 

التحول في أولويات المبادرات والبرامج واتخاذ القرارات المفاجئة والخارجة عن إطار رؤية 2030 وحتى مناقضة لها تلك التي أنفق عليها الكثير من المال والوقت، ستفضي من جانب وكما مضى إلى تكرار تأخر تحقيق الأهداف، ومنها خفض الاعتماد على النفط، ومن جانب آخر ستضر أيضا بثقة الشعب بالحكومة وحتى ثقته بالنفس والعزة والكرمة الوطنيين. نأمل من المسؤولين في الحكومة اتخاذ تدابير أخرى حتى لا تستتب في المنطقة ظروف نصاب جراءها بالضر.

 

صوت الجزيرة

شارك برأيك
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية .