مفهوم السياسات السكانية ومسؤولياتها

عبلة مرشد

تُعنى السياسات السكانية بجميع السياسات والإجراءات والأنظمة والقوانين ذات الصلة بالسكان، وما يتعلق بهم من برامج تنموية، تتواءم مع خصائصهم المختلفة، سواء الديمغرافية منها، كحجمهم ومعدلات نموهم وتركيبهم «العمري  /النوعي» أو توزيعهم وحركتهم داخل الدولة أو الهجرة إليها أو منها، كتنظيم تدفق الهجرة الوافدة، وهجرة الكفاءات الوطنية إلى خارج البلاد، أو غير ذلك من الخصائص الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن تصنيفهم بها.

وتُعد الخصائص السكانية وما يرتبط بها من سياسات، من أهم المرتكزات التي تبنى عليها الخطط التنموية والرؤى الوطنية، وتنطلق في ضوئها السياسات المؤسسية والإجراءات التنفيذية للمشروعات التنموية المختلفة، كمشروعات التنمية الاجتماعية المختلفة، مثل برامج الإسكان ومبادرات الزواج والبرامج الداعمة للأسرة والأمومة والطفولة وتمكين المرأة، رعاية المسنين، ذوي الاعاقة، بالإضافة إلى السياسات الصحية الموجهة، والمعنية ببرامج الرعاية الصحية الأولية والوقاية من الأمراض وغيرها، وما يتصل كذلك بسياسات التعليم والتدريب المهني والفني والتقني بمختلف مستوياته ومجالاته، وما يرتبط بسياسات العمل والاستقدام وتنظيم القوى العاملة وسوق العمل، وبما يلحق به من تفاصيل وما يواجهه من تحديات تحتاج لمعالجة واحتواء.

وعليه فإن السياسات السكانية تحتوي تحت مظلتها ومسؤولياتها، كل فئات المجتمع بمختلف خصائصهم وأحجامهم وتوزيعهم، وتسعى من خلال المؤسسات التنموية المعنية، نحو ما يحقق لهم الرفاه والرضا، لتمكنهم من المشاركة في الحياة الاجتماعية بفاعلية تستثمر وجودهم تنمويا، سواء كانوا أطفالا أم شبابا أم إناثا أم مسنين أم من ذوي الإعاقة، وبما يحقق لهم العيش الكريم والحياة المستقرة الآمنة حاضرا ومستقبلا.

ومن جانب آخر فإن البيئة وما يتعلق بها من سياسات وإجراءات، تُعنى بالحفاظ عليها وعلى مواردها وحمايتها من السلوك الجائر وغير المسؤول من الإنسان، فإنه هو الآخر يُعد مرتكزا محوريا متأصلا في جميع برامج التنمية البشرية المعنية بالسكان والبيئة، وصولا إلى التنمية المستدامة.

وإن التعثر في تنمية الموارد البشرية لأي دولة، أو الإخفاق في استثمارها بما يتفق مع خصائصها السكانية، إنما هو دليل على أن هناك خللا في السياسات السكانية الموضوعة، التي لم يراع فيها الانسجام والمواءمة ما بين خصائص السكان وبرامج التنمية المختلفة، ويكون سبب ذلك عاملين أو أحدهما، إما عدم التنسيق والمواءمة ما بين قطاعات التنمية البشرية المختلفة والخصائص السكانية الموجودة، أو عدم المراجعة المستمرة للخطط الموضوعة والاستراتيجيات المنفذة، التي يجب أن تتغير، أو أن يتم تحديثها تبعا للتغير المستمر في الخصائص السكانية المتاحة والاستراتيجيات الوطنية المتغيرة.

وبناءً على ذلك، فإن ما نجده من إشكالات اجتماعية أو اقتصادية أو أمنية، هي نتيجة لخلل في منظومة السياسات السكانية المنفذة، ومن تلك الإشكالات التي قد نغفل عن علاقتها بمضمون مسؤوليات السياسات السكانية وأهدافها وغاياتها، المشكلات المتصلة باستقرار الحياة الأسرية، كالزواج والطلاق والعنوسة، والإسكان، والبطالة، والتوظيف، والتوطين، وجودة التعليم والتدريب، وندرة فرص العمل المناسبة، وارتفاع نسبة العمالة الوافدة، وانخفاض مشاركة المواطن في سوق العمل، الخلل العام في التركيبة السكانية، ضعف الاستثمار في الشباب، ندرة المنشآت والبرامج الخاصة بالمسنين وذوي الإعاقة والمتقاعدين، وغير ذلك مما يتصل بالتنمية الاجتماعية ومتطلباتها المعاصرة.

لا شك أن ذلك تتولد عنه سلبيات تنعكس على التنمية البشرية بصفة عامة، وعلى الاستقرار الأسري والسلوك الاجتماعي والفكري للأفراد، خاصة الشباب منهم الذين يحتاجون لاحتوائهم ولاستثمار طاقاتهم الدفينة لإثبات ذاتهم اجتماعيا ومهنيا.

وفي ضوء ذلك المفهوم وتلك المسؤوليات، تبرز أهمية دعم الأبحاث والدراسات السكانية المتخصصة بجميع تفاصيلها الدقيقة، وما تحتاجه من بيانات إحصائية مفصلة، تُمكن الباحثين وصناع القرار، من رصد واقعها القائم وحالتها المستقبلية، بما يسهم في وضع السياسات التنموية والبرامج المختلفة، المناسبة لجميع السكان بمختلف خصائصهم وأعمارهم ونسبة وجودهم وتوزيعهم في المناطق المختلفة.

 

المصدر: صحيفة آراء السعودية

التعليقات (0)